صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

17

الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين )

ويقال إن المنطق مثلا نافع في الحكمة وهذان الاعتباران أي الخاص والعام كما يقع في العلوم يقع في الذوات فالملك والرعية وصاحب الفرس والفرس بحسب الاعتبار العامي أنه انتفع كل منهما بالآخر ولا يقال بحسب الاعتبار الخاص إن الرعية انتفعت من الملك وإن الفرس انتفع من الفارس والانتفاع بالإطلاق الأعم على ثلاثة أقسام للعالي في السافل وللسافل في العالي وللمساوي في المساوي والمنفعة بالإطلاق الأخص لا يقال على القسم الأول لأنها في ذلك الإطلاق معناها قريبة في معنى الخدمة والذي يفيده العالي للسافل مما لا يشبه الخدمة بل ينبغي أن يوضع له عند ذلك لفظ آخر مثل الإفادة وما يجري مجراها وكذا في هذا الإطلاق الأعم إذ أريد أن يدل على خصوص هذا النوع في المنفعة فإن الأقسام الثلاثة من الأسباب الموصلة للخير الذي يقال على الجميع لفظ المنفعة أنواع مختلفة كل نوع منها نوع آخر سواء اشتركت في معنى جنسي أو لا إذا تقرر هذا وثبت أن كلا من الخادم والمخدوم والرئيس والمرءوس ينفع في الآخر بحسب الإطلاق الأعم وعلم أن نوع كل من المنافع الثلاثة مع الجهة التي يخصه نوع آخر مباين للباقين ومعلوم أن لهذا العلم رئاسة واستخداما لسائر العلوم فمنفعة هذا العلم التي بين وجهها من أنها على سبيل الاستعلاء هي في إفادة اليقين بمبادي سائر العلوم التي تحتها هذا من باب التصديق ومن باب التصديق ومن باب التصور معرفة حقائق الأمور العامة المشتركة في العلوم سواء كانت من المبادي لها أم لا ومن هذا القبيل منفعة الرئيس للمرءوس والمخدوم للخادم ولهذا أمثلة كثيرة كما يظهر لمن تتبع وتأمّل مثلا النفس والبدن كل منهما منتفع بالآخر لكن منفعة النفس للبدن في إفاضة الحياة والحس وغيرهما عليه ومنفعة البدن للنفس في أن يصير بحسب حركاته ورياضاته وسيلة معدة لأن يستعد النفس لأن يفيض عليهما من المبدإ الأعلى العلم والطهارة وإنما قلنا منفعة هذا العلم في اقتناء العلوم الأخرى كمنفعة الرئيس والمخدوم للمرءوس والخادم لأن نسبة العلم إلى العلم كنسبة المعلوم إلى المعلوم فنسبة العلم الأعلى إلى العلوم الباقية كنسبة المعلوم به والمقصود معرفته فيها ولا شك أن المقصود الأصلي فيه معرفة مبادي الأشياء سيما مبدأ المبادي وله السلطنة العظمى والسيادة الكبرى على جميع ما في السماوات والأرض فكما أن وجود ذاك مبدأ لوجود هذه الأشياء فالعلم به على التحقيق مبدأ لتحقيق العلم بهذه قوله وأما مرتبة هذا العلم فهي أن يتعلم بعد العلوم إلى آخره هذا القسم من التأخر قد عرض لهذا العلم بالقياس إلينا لا بالقياس إلى نفسه فهو بحسب الجبلة والذات متقدم على سائر العلوم تقدما ذاتيا وتقدما بالشرف وأما بحسب الوضع فهو متأخر عن العلوم الطبيعية والرياضية من الوجه الذي ذكره قوله وأما الرياضي فلأن الغرض الأقصى إلى آخره لقائل أن يقول الغرض الأقصى من هذا العلم هو معرفة الباري جل ذكره لأنه أشرف المعلومات فكيف يكون معرفة فعله وتدبيره هو الغرض الأقصى فنقول لما كان الواجب تعالى بسيط الذات فلا جزء له ولما كان مبدأ لما سواه فلا مبدأ له من حيث ذاته وما لا جزء فيه ولا مبدأ له مطلقا فلا حد له ولا برهان عليه ولا يمكن معرفته إلا بالمشاهدة الصريحة أو من طريق الأفعال والآثار والأول لا يمكن إلا بانسلاخ النفس عن هذا الوجود الجزئي وفنائها عن ذاتها وعن كل شيء لا بوسيلة الحكمة فبقي الشق الآخر فالغرض الأقصى للنفس من هذا العلم في هذا العالم هي مطالعة الحضرة الإلهية وهي صنع الله يصنعه وفعله الخاص المنبعث عن حاق ذاته بذاته وهذا النحو من المعرفة ليس بأقل من معرفة الشيء بحده ومن هذه الجهة قالت الحكماء القوى يعرف بأفاعيلها وقال الشيخ في الحكمة المشرقية إن بعض البسائط يوجد لها لوازم يوصل الذهن بصورها إلى حاق الملزومات وتعريفاتها لا يقصر عن التعريف بالحدود هذا كلامه ثم إني أقول إن الوجود طبيعة واحدة بسيطة ليس التفاوت بين آحادها إلا بالشدة والضعف والكمال والنقص والواجب مرتبة كاملة شديدة غير متناهية في الشدة فكل موجود شاهد على وجوده لأنه رشح منه وكل ما هو أقرب إليه فهو أتم شهادة عليه ولكن العالم بجميع أجزائه ملكه وملكوته أتم شاهد عليه وأعظم مجلى له لأنه على مثال ذاته فالعلم به هو الغرض الأقصى قوله فنقول إن المبدأ للعلم إلى آخره أجاب عن هذا السؤال بثلاثة وجوه هذا أحدها وهو أن المسائل في هذا العلم التي لها مباد من العلم الطبيعي غير المسائل منه التي هي مباد في ذلك العلم والمسائل من العلم الطبيعي التي هي مباد في هذا العلم غير مسائله التي لها مباد في هذا العلم وقوله ثم قد يجوز أن يكون في العلوم مسائل إلخ ثاني الوجوه وهو أن المسألة من أحد العلمين التي يستعمل وضعا في العلم الآخر لا يلزم أن يكون وضعها هناك مع وضع برهانه فيه بل يجوز أن يكون وضعها فيه تسليما مجردا عن البرهان فلا يلزم دور مع اشتراك المسألة وقوله على أنه إنما يكون مبدأ العلم مبدأ بالحقيقة إلى آخره ثالث الوجوه وهو أنه قد يتفق لمسألة واحدة برهانان مختلفين أحدهما برهان إن يعطي الوجود ولا يعطي علة الوجود وثانيهما برهان لم يعطي لمية الوجود وعلته وإطلاق المبدإ فيه على الحقيقة وفي الأول ليس على الحقيقة وإعطاؤه كإعطاء الحس بوجود الشيء دون حقيقته وعلته مثال ذلك